التعريف بالكاتبة
كاي ردفيلد جاميسون أستاذة جامعية في علم النفس لكن حصولها على الدكتوراه في علم النفس لم يمنعها من أن تكون مصابة بالاضطراب النفسي، وذلك لأنه مرض أصله بيولوجى ووراثي،كما أن طبيب العيون قد يصاب بمرض في عينه، كذلك عالم النفس قد يصاب بمرض في تخصصه، وربما كان هذا ما نجهله أحيانا فنتوهم أن كل اضطراب نفسي مشكلة سيكولوجية حلها فقط عن طريق العلاج النفسي دون الحاجة إلى استعمال الأدوية والى استشارة طبيب نفسي.التعريف بالمرض
أما الاكتئاب فهو يتميز بهبوط حاد في المزاج، وانخفاض في الطاقة والنشاط والحركة ،وحالة سوداوية يمكن أن تقود المرء إلى الانتحار،وفي حالة ذهان الهوس الاكتئابي، تتراوح حالة المريض بين الهوس وبين الاكتئاب بشكل متناوب ،ولذلك يسمى أيضا باضطراب ثنائي القطب القطب الأول
الهوس والقطب الثاني الاكتئاب.
شجاعة الكاتبة
ما كان من السهل أن تكتب جاميسون عن حياتها المرضية مع ذهان الهوس الإكتئابى لأكثر من ثلاثين عام لأن ذلك قد يهدد موقعها كأستاذة في علم النفس، وقد يهدد ترخيصها، ولكنها قد قررت أن تقوم بالكتابة عنها وبكل صراحة ودون تحفظ، وهذا يعكس لنا طبيعة المجتمع الغربى الذى لا يختلف كثيرا عن المجتمع الشرقى فى هذا الأمر.حياتها ورحلتها مع المرض
هذه الحالة لاحظها بروفيسور عليها في سنتها الأولى الجامعية في اختبار لتقييم الشخصية يعرف باختبار(رورشاخ) كان البروفيسور يرفع كروتا تحمل صورا مختلفة، ويطلب من كل طالب أن يكتب عنها، مباشرة لاحظ البروفيسور اختلاف إجاباتها عن البقية فطلب أن يبقى صاحب هذه الأوراق للحديث معه بعد المحاضرة وأخبرها بأنه طوال سنوات تدريسه لم يصادف مثل هذه الحالة بارعة الخيال.
فقد يقود هذا الاضطراب بالفعل إلى حالة من الإبداع، ولكنه قد يقود أيضا إلى الانتحار كما حدث مع فرجينيا وولف الروائية والناقدة الإنجليزية الشهيرة والتي انتحرت غرقا بسبب الاكتئاب،ويمكنكم أن تقرأوا رسالة فيرجينيا وولف الأخيرة لأنها تصور بالفعل الحالة التي كانت ايضا جاميسون تمر بها والتي هي الأخرى فكرت في الانتحار واشترت مسدسا لكنها تخلصت منه على تردد تقول الرسالة:أيّها العزيز، لقد عدتُ إلى الجنون مرة أخرى. ولا أظنّ أن بإمكاننا النجاة مجددًا من تلك الأوقاتِ السيئة. أننى لن أتعافى هذه المرّة. أصبحت أسمع أصواتًا كثيرة داخل رأسي، ولم أعد قادرةً على التركيز. لذلك سأفعل الأفضل لكلينا. لقد وهبتني أعظم سعادةٍ ممكنة. لقد كنتَ بكل الطرق، كلّ ما يمكن لشخص واحد أن يكونه. لا أظن أنه من المعقول لاثنين أن يصبحا أكثر سعادة منّا، حتى أصابني هذا المرض اللعين. لا أستطيع القتال أكثر. أعلم أنني أفسد عليك حياتك، لولا وجودي لاستطعت الخروج والعمل. أعرف أنك ستخرج للعمل إن غادرتُك أنا متأكدة من هذا. انظر، لا أستطيع القراءة حتّى. لا أستطيع كتابة هذه الرسالة بشكل جيّد حتى. إنني أخسر كل شيء. ما أريد أن أخبرك به هو أنني مدينة لك بكل السعادة التي عشتها في حياتي. لقد كنت صبورًا معي وطيّبًا بشكل لا يعقل،والجميع يعلم هذا- لو كان لرجلٍ أن ينجح في إنقاذي فستكون أنت هذا الرجل. فقدتُ كلّ شيء يا ليونارد، عدا إيماني بك وبقلبك. لا أستطيع الاستمرار في إفساد حياتك. هذا يكفي. لا يمكن لشخصين أن يكونا أكثر سعادة مما كنّا عليه.”
رحلة العلاج
وكتبت في سيرتها كيف يمكن للمصاب بهذا المرض أن يتقبله فيثلاثة عشر نقطة، وكانت جاميسون تنقل في كتابها تقرير الطبيب لحالتها مؤرخة، في يوم كذا وكذا تشعر المريضة بكذا، توقفت عن الليثيوم، استأنفت تناوله، تفكر بالانتحار.
الورقة الأخيرة
من أكثر الملاحظات التى شدتني ما كتبه الطبيب عن حالتها حيث قال: المريضة ترى الدواء كوعد بالشفاء و كوسيلة للانتحار إذا لم ينجح !إنها تخشى إذا أخذت الدواء أن تكون قد قامرت بالورقة الأخيرة، فهي لم تكن تريد استعمال ورقتها الأخيرة التي ستقودها للانتحار إذا لم تنجح معها.ترياق الحب
من أكثر الفصول التي كانت بالنسبة لي تدعو للتأمل الفصل الثالث بعنوان ترياق الحب حيث نقلت جاميسون فيه عبارة رائعة تقول :إنه تاريخ حناننا وحدة هو ما يجعل من الممكن احتمال هذا العالم فلولا ذلك ، لولا تأثير الكلمات المجنونة والنظرات الحنونة والحروف الحنونة، لكنت مياله إلى اعتبار حياتنا دعابة عملية عن أسواء مزاج كئيب ممكن.
وسنجد أن أكثر ما تردده جاميسون في سيرتها أن الحنان الذي تلقته من أهلها وأصدقائها ومن ارتبطت معهم بعلاقة حب كان أكثر ما ساعدها، ولاحظ أن جاميسون باستثناء مرضها لم تكن تعاني في حياتها من أية مشاكل فكانت تحمل أعلى شهادة يمكن أن يحصل عليها الإنسان وهى الدكتوراه، تملك وظيفة رائعة بدخل جيد في الجامعة.فلم يكن يعوزها المال ولا الشهادة ولكن لا الشهادة ولا الوظيفة ولا المال ساعداها بمثل ما ساعدها الحب في حياتها.